ابن قيم الجوزية
31
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
الْمُهْتَدِ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت البتة ، إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية ، وإلا فالسلب المحض لا حمد فيه ولا كمال . كمال . وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه ، وتعبد كل شيء له ، فاتخاذ الولد ينافي ذلك ، كما قال تعالى : 10 : 68 قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً ، سُبْحانَهُ ، هُوَ الْغَنِيُّ ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . وحمد نفسه على عدم الشريك ، المتضمن تفرده بالربوبية والإلهية ، وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره ، فيكون شريكا له . فلو عدمها لكان كل موجود أكمل منه . لأن الموجود أكمل من المعدوم . ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلا إذ كان متضمنا ثبوت كمال . كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمنه كمال حياته ، وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم ، لتضمن ذلك قيوميته وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، لكمال علمه وإحاطته . وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا ، لكمال عدله وإحسانه . وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار ، لكمال عظمته ، يرى ولا يدرك ، كما أنه يعلم ولا يحاط به علما . وإلا فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال . لأن العدم لا يرى ، فليس في كون الشيء لا يرى كمال البتة . وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا ، لعظمته في نفسه ، وتعاليه عن إدراك المخلوق له . وكذلك حمد نفسه بعدم الغفلة والنسيان ، لكمال علمه . فكل سلب في القرآن حمد به نفسه فلمضادته لثبوت ضده ، ولتضمنه كمال ثبوت ضده . فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال ، وأن نفيها نفي لحمده ، ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده .